الشيخ السبحاني
117
المذاهب الإسلامية
ثم دعا المنكرين مراراً وفي كل مرة يستجيب عدد آخر ويقرّ بحدوث القرآن حتّى لم يبق منهم إلّاأربعة اشخاص ، فدعاهم إسحاق بن إبراهيم مرّة أُخرى فأقرّ اثنان منهم بحدوث القرآن وبقى شخصان - أعني : أحمد بن حنبل ، ومحمد بن نوح - على قولهما ، فشدّا بالحديد وبعثا إلى طرسوس وكتب معهما كتاباً ، فلمّا صار إلى الرقة بلغتهم وفاة المأمون ، فأمر والي الرقة بإرجاعهم إلى إسحاق بن إبراهيم ، فأمرهم إسحاق بلزوم منازلهم ثم أطلق سراحهم . « 1 » ولمّا تسلم المعتصم مقاليد الحكم ضرب أحمد بن حنبل 38 سوطاً ليقول بخلق القرآن ، وكان ذلك عام 219 ه . وهذا هو المعروف بمحنة أحمد أو محنة خلق القرآن . قضى المعتصم نحبه وخلفه ابنه الواثق ( 227 - 232 ه ) وكان للمعتزلة في عصره شوكة ، ولمّا قضى الواثق نحبه قام مقامه المتوكل فأمر الناس بترك النظر والبحث وترك ما كانوا عليه في أيام الخلفاء الثلاثة ، وأمر شيخ المحدثين بالتحديث وإظهار السنّة ، ومن هنا أخذ نجم المعتزلة بالأُفول وإقصائهم عن الساحة الفكرية وفسح المجال للمحدّثين ، وكانوا يجلسون في المساجد ويروون الأحاديث ضد الاعتزال ويكفّرون المعتزلة . سأل أحدهم أحمد عمّن يقول إنّ القرآن مخلوق ، فقال : كافر ، قال : فابن دؤاد ؟ قال : كافر باللَّه العظيم . « 2 » ثمّ إنّ ممّا أعان على انقراضهم هو تشتّت مذاهبهم وفرقهم ، فإنّ القوم تفرّقوا إلى مدرستين : مدرسة معتزلة بغداد ومدرسة معتزلة البصرة ، ولم تكن
--> ( 1 ) . تاريخ الطبري : 7 / 195 - 206 بتلخيص . ( 2 ) . تاريخ بغداد : 3 / 285 .